محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

موسى بن هارون ، قال : حدثني عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام ، قال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس ، هل تقبل الله منا ومنهم أم لا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال : صلاتكم قبل بيت المقدس ، يقول : إن تلك طاعة وهذه طاعة . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : قال ناس لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأَولى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ الآية حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني داود بن أبي عاصم ، قال : لما صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ، قال المسلمون : هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس فنزلت : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ يقول : صلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة فكان المؤمنون قد أشفقوا على من صلى منهم أن لا تقبل صلاتهم . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ صلاتكم . حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري ، قال : أخبرنا المؤمل قال : ثنا سفيان ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال : صلاتكم نحو بيت المقدس . قد دللنا فيما مضى على أن الإِيمان التصديق ، وإن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا ؛ فمعنى قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة : وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره لأَن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي ، واتباعا لأَمري ، وطاعة منكم لي . قال : وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه ، فيذهب ضياعا ويصير باطلا ، كهيئة إضاعة الرجل ماله ، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملا وهو له طاعة فلا يثيبه عليه ، وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله . فإن قال قائل : وكيف قال الله جل ثناؤه : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ فأضاف الإِيمان إلى الأَحياء المخاطبين ، والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية ؟ قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك ، فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة ، وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا ، فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ ، فوجه الخطاب بها إلى الأَحياء ، ودخل فيهم الموتى منهم لأَن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب ، فيدخل الغائب في الخطاب ، فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر : فعلنا بكما وصنعنا بكما ، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران ، ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغيب . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ويعني بقوله جل ثناؤه : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أن الله بجميع عباده ذو رأفة . والرأفة أعلى معاني الرحمة ، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة . وأما الرحيم ، فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل . وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها ، وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم . أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب ، لأَني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي . ولا تحزنوا عليهم ، فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة ، لأَني لم أكن فرضت ذلك عليهم ، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله . وفي الرؤوف لغات : إحداها " رؤوف " على مثال " فعل " كما قال الوليد بن عقبة :